الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
284
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عيسى ، وذلك من معجزاته لأن اللّه علم أنه ستغلو فيه فرق من أتباعه فيزعمون بنوّته من اللّه على الحقيقة ، ويضلّون بكلمات الإنجيل التي يقول فيها عيسى : أبي ، مريدا به اللّه تعالى . وفرع على إثبات التوحيد للّه الأمر بعبادته بقوله : فَاعْبُدُوهُ فإن المنفرد بالإلهية حقيق بأن يعبد . والإشارة ب هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إلى مضمون قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، أي هذا طريق الوصول إلى الفوز عن بصيرة ودون تردد ، كما أن الصراط المستقيم لا ينبهم السير فيه على السائر . [ 65 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 65 ] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 65 ) هذا التفريع هو المقصود من سوق القصة مساق التنظير بين أحوال الرسل ، أي عقب دعوته اختلاف الأحزاب من بين الأمة الذين بعث إليهم والذين تقلدوا ملته طلبا للاهتداء . وهذا التفريع دليل على جواب ( لمّا ) المحذوف . وضمير بَيْنِهِمْ مراد به الذين جاءهم عيسى لأنهم معلومون من سياق القصة من قوله : جاءَ عِيسى [ الزخرف : 63 ] فإن المجيء يقتضي مجيئا إليه وهم اليهود . و مِنْ يجوز أن تكون مزيدة لتأكيد مدلول بَيْنِهِمْ أي اختلفوا اختلاف أمة واحدة ، أي فمنهم من صدق عيسى وهم : يحيى بن زكرياء ومريم أم عيسى والحواريون الاثنا عشر وبعض نساء مثل مريم المجدلية ونفر قليل ، وكفر به جمهور اليهود وأحبارهم ، وكان ما كان من تألب اليهود عليه حتى رفعه اللّه . ثم انتشر الحواريون يدعون إلى شريعة عيسى فاتبعهم أقوام في بلاد رومية وبلاد اليونان ولم يلبثوا أن اختلفوا من بينهم في أصول الديانة فتفرقوا ثلاث فرق : نسطورية ، ويعاقبة ، وملكانيّة . فقالت النسطورية : عيسى ابن اللّه ، وقالت اليعاقبة : عيسى هو اللّه ، أي بطريق الحلول ، وقالت الملكانية وهم الكاثوليك : عيسى ثالث ثلاثة مجموعها هو الإله ، وتلك هي : الأب اللّه ، والابن عيسى ، وروح القدس جبريل فالإله عندهم أقانيم ثلاثة . وقد شملت الآية كلا الاختلافين فتكون الفاء مستعملة في حقيقة التعقيب ومجازه بأن يكون شمولها للاختلاف الأخير مجازا علاقته المشابهة لتشبيه مفاجأة طروّ الاختلاف